الأربعاء, مارس 4, 2026
الرئيسيةمحافظاتالمهندس محمود كمال يكتب الزيوت النباتية في مصر.. هل تنجح الـ4 ملايين فدان في كسر فاتورة الاستيراد؟
محافظات

المهندس محمود كمال يكتب الزيوت النباتية في مصر.. هل تنجح الـ4 ملايين فدان في كسر فاتورة الاستيراد؟

 

بقلم: محمود كمال

لم تعد قضية الزيوت النباتية في مصر مجرد ملف زراعي، بل تحولت إلى قضية أمن غذائي واقتصادي ترتبط مباشرة بفاتورة الاستيراد والعملة الصعبة. فمصر تستهلك سنويًا ما يقرب من 2.6 إلى 2.8 مليون طن من الزيوت النباتية، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي نسبة 5 إلى 7% من إجمالي الاحتياجات، ما يعني اعتمادًا شبه كامل على الاستيراد يقترب من 95%.

وتشير بيانات الأسواق العالمية إلى أن مصر تستورد سنويًا نحو 2.4 مليون طن من الزيوت الخام والمكررة، يتصدرها زيت النخيل بنحو 1.1 مليون طن، يليه زيت دوار الشمس بما يقارب 650 إلى 700 ألف طن، ثم زيت فول الصويا. هذه الأرقام تعكس فجوة هيكلية بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الزراعي، وتضع ضغوطًا متزايدة على ميزان المدفوعات، خاصة في ظل تقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف.

محصول عباد الشمس، الذي يمثل محورًا مهمًا في أبحاث الأراضي الجديدة، يُعد من أكثر المحاصيل الواعدة لسد جزء من هذه الفجوة. فمتوسط نسبة الزيت في بذوره يتراوح بين 40 و45%، كما أنه يتحمل ظروف الإجهاد المائي نسبيًا مقارنة بمحاصيل أخرى. ومع ذلك، لا يتجاوز الإنتاج المحلي من بذور عباد الشمس 30 إلى 40 ألف طن سنويًا، وهو رقم محدود للغاية قياسًا بحجم الطلب.

هنا يبرز مشروع التوسع الزراعي الذي يستهدف إضافة نحو 4 ملايين فدان للأراضي المنزرعة كفرصة استراتيجية لإعادة هيكلة خريطة المحاصيل الزيتية في مصر. فإذا تم تخصيص نسبة مدروسة من هذه المساحات لزراعة عباد الشمس وفول الصويا والفول السوداني، يمكن مضاعفة الإنتاج المحلي عدة مرات خلال سنوات قليلة.

فعلى سبيل المثال، إذا تمت زراعة مليون فدان فقط بعباد الشمس في الأراضي الجديدة بمتوسط إنتاجية 1.5 إلى 2 طن للفدان، يمكن تحقيق إنتاج يتراوح بين 1.5 و2 مليون طن بذور، ما يعادل قرابة 600 إلى 800 ألف طن زيت خام، وهو ما يمثل قفزة نوعية في تقليل فجوة الاستيراد.

لكن التحدي لا يتوقف عند الزراعة فقط، بل يمتد إلى منظومة التصنيع. فمصر تمتلك طاقات عصر وتكرير جيدة، إلا أن جزءًا كبيرًا منها يعتمد على خامات مستوردة. توطين إنتاج البذور الزيتية محليًا يعني تعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، وتقليل فاتورة النقل والشحن، وخلق فرص عمل في مناطق الاستصلاح الجديدة.

الرهان الحقيقي إذن ليس في زيادة المساحة وحدها، بل في إدارة المنظومة كاملة: أصناف عالية الإنتاج، تعاقدات مسبقة مع المصانع، سياسات سعرية محفزة للمزارعين، ودعم تقنيات الري الحديثة لضمان كفاءة استخدام المياه في الأراضي الجديدة.

ملف الزيوت النباتية يمثل اختبارًا لقدرة الدولة على تحويل مشروعات التوسع الأفقي إلى مكاسب اقتصادية مباشرة. وإذا ما تم التخطيط العلمي الدقيق، فقد تتحول الـ4 ملايين فدان من مجرد رقم في خطة زراعية إلى نقطة تحول حقيقية في معادلة الأمن الغذائي المصري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *