الأربعاء, مارس 4, 2026
الرئيسيةمحافظاتقراءة نقدية لقصة وسيناريو فيلم “الملحد
محافظاتمقالات

قراءة نقدية لقصة وسيناريو فيلم “الملحد

 

بقلم د. محمود كمال

منذ الإعلان عن فيلم الملحد، بدا واضحًا أن العمل لا يراهن على السينما بوصفها فنًا بقدر ما يراهن على الجدل. فالفكرة في حد ذاتها إشكالية، والملف الذي يقترب منه حساس ومشحون اجتماعيًا ودينيًا، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ماذا قال الفيلم بقدر ما يكمن في كيف قاله.

أولًا: أزمة القصة – فكرة بلا مسار درامي

قصة الفيلم تنطلق من سؤال وجودي كبير، لكنها لا تمتلك مسارًا دراميًا حقيقيًا يطوّر هذا السؤال. البطل يبدأ في حالة شك، وينتقل بين مواقف فكرية ونفسية متناقضة، دون وجود بنية سردية واضحة توضح:

متى بدأ التحول؟

ولماذا وصل إلى هذه القناعة؟

وما الثمن النفسي أو الاجتماعي الذي دفعه؟

النتيجة أن القصة تبدو كـ سلسلة مشاهد ذهنية أكثر منها حكاية سينمائية متماسكة، تفتقد العقدة والتصاعد والذروة بمعناهم الدرامي.

ثانيًا: سيناريو مباشر يقتل السينما

أكبر نقاط الضعف الحقيقية في الفيلم هي السيناريو التقريري.

السينما لغة صورة، بينما اعتمد الملحد بشكل شبه كامل على الحوار المباشر، الطويل، والخطابي، الذي يُقال فيه كل شيء صراحة، دون ترك مساحة للمشاهد للتفكير أو الاستنتاج.

الشخصيات لا تتحدث بوصفها بشرًا، بل بوصفها منابر فكرية متنقلة، كل شخصية تمثل فكرة واحدة ثابتة، لا تتطور ولا تتناقض، وهو ما أفقد العمل العمق الإنساني.

ثالثًا: شخصية البطل – تطور غير مُقنع

التحول الفكري للبطل جاء:

سريعًا

غير مبرر نفسيًا

بلا تراكم درامي

لا نرى صراعًا داخليًا حقيقيًا، ولا لحظات انهيار أو شك عميق، بل نرى نتائج جاهزة دون مقدمات، وكأن السيناريو يفترض أن المشاهد سيتقبل التحول لمجرد طرحه، لا لاقتناعه به.

رابعًا: غياب التوازن الدرامي

الفيلم يتعامل مع قضية معقدة بعين واحدة.

لا يوجد عرض حقيقي للأطروحات المختلفة، بل تقديم انتقائي يخدم اتجاهًا فكريًا محددًا. هذا الاختلال جعل الفيلم أقرب إلى مقال رأي مصور منه إلى عمل درامي يسمح بتعدد الزوايا.

النقاش لا يُدار، بل يُلقّن، وهو ما أفقد العمل مصداقيته لدى شريحة كبيرة من الجمهور.

خامسًا: افتعال الصدمة بدل بنائها

السيناريو اعتمد على الصدمة اللفظية والفكرية كأداة جذب، دون بناء درامي حقيقي لهذه الصدمة.

فبدل أن تنبع المواجهات من سياق إنساني طبيعي، جاءت كثير من المشاهد وكأنها موضوعة خصيصًا لإثارة الجدل، لا لخدمة القصة

فيلم الملحد يعاني من أزمة جوهرية:

امتلاك فكرة أكبر من أدواته السينمائية.

قصة غير ناضجة، وسيناريو مباشر، وشخصيات رمزية أكثر من كونها بشرًا، جعلت العمل يفشل في تحويل الجدل الفكري إلى دراما حقيقية تُقنع قبل أن تُستفز.

هو فيلم تحدث كثيرًا… لكنه حكى قليلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *